أبو حامد الغزالي
106
محك النظر
لا خلا ولا ملا . وهذه القضايا الوهمية مع أنها كاذبة فهي في النفس لا تتميّز عن الأوليات القطعية ، مثل قولك لا يكون شخص في مكانين ، بل تشهد به أول الفطرة كما تشهد بالأوليات القطعية . وليس كل ما تشهد به الفطرة قطعا هو صادق بل الصادق ما تشهد به قوة العقل فقط ومداركه الخمسة المذكورة . وهذه الوهميات لا يظهر كذبها للنفس إلا بدليل العقل ثم بعد معرفته الدليل أيضا لا تنقطع منازعة الوهم بل تبقى على نزاعها . فإن قلت فبماذا أميّز بينها وبين الصادقة والفطرة قاطعة بالكل ، ومتى يحصل لي الأمان منها فأقول إن هذه ورطة تاه فيها جماعة فتسفسطوا وأنكروا كون النظر مفيدا لليقين فقال بعضهم طلب اليقين غير ممكن ، وقالوا بتكافؤ الأدلة وادّعوا النفس ، وليس يحصل لنا الأمان وقال لبعضهم لسنا نتيقن أيضا تكافؤ الأدلة بل هذا أيضا لا ندريه ، وكشف الغطاء عن هذا صعب ويستدعي تطويلا ولكن أفيدك الآن طريقين تثق بهما في كذب الوهم . الأول جملي : وهو أنك لا تشك في وجود الوهم والقدرة والعلم والإرادة وهذه الصفات وليس هذا من النظريات ، ولو عرضت الوهم على نفس الوهم لأنكره . فإنه يطلب له سمكا ومقدارا ولونا فإذا لم يجده إياه ، ولو كلفت الوهم أن يقابل ذات القدرة والعلم والإرادة لتصور لكل واحد قدرا ومكانا مفردا ، ولو فرضت له اجتماع هذه الصفات في جزء واحد وجسم واحد لقدر بعضها منطبقا على البعض كأنه ستر مرسل على وجهه ، ولم يقدر على تقدير إدخال البعض في البعض الآخر بأسره ، فإنه إنما يشاهد الأجسام ويراها متميزة في الوضع فيقضي على كل شيئين بأنه متميّز في الوضع عن الآخر . الطريق الثاني : وهو معيار في آحاد المسائل وهو أن تعلم أن جميع قضايا الوهم ليست كاذبة فإنها توافق العقل في استحالة وجود شخص في مكانين ، بل لا تنازع في جميع العلوم الهندسية والحسابية وما يدرك بالحس ، وإنما تنازع فيما وراء المحسوسات لأنها تمثل غير المحسوس